السيد حيدر الآملي
308
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
القاطعة ، ويوضح لهم فيه أمور نظامهم وينبّههم على مبدئهم ومعادهم ، والانفصال هاهنا انفصال مانع من الخلوّ كما هو مصرّح به . قوله : « رسل لا تقصّر بهم قلَّة عددهم ، ولا كثرة المكذّبين لهم » . أي هم رسل كذلك ، والمراد الإشارة إلى أنّهم وإن كانوا قليلي العدد بالنسبة إلى كثرة الخلق ، وكان عدد المكذّبين لهم كثيرا كما هو المعلوم من أنّ كلّ نبيّ بعث إلى أمّة فلا بدّ فيهم فرقة تنابذه وتعانده ، وتكذّب مقالة فإنّ ذلك لا يولَّيهم قصورا عن أداء ما كلَّفوا القيام به من حمل الخلق على ما يكرهون ممّا هو مصلحة لهم في معاشهم ومعادهم ، بل يقوم أحدهم وحده ويدعوا إلى طاعة بارئه ويتحمّل أعباء المشقة التّامّة في مجاهدة أعداء الدّين ، وينشر دعوته في أطراف الأرض بحسب العناية الأزليّة والحكمة الإلهيّة ، وتبقى آثارها محفوظة وسنتها قائمة إلى أن تقتضي الحكمة وجود شخص آخر منهم يقوم ذلك المقام ، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه ِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ سورة النساء : 165 ] . قوله : « من سابق سمّي من بعده » . تفصيل ( تفضيل ) للأنبياء ، و « من » هاهنا للتمييز والتبيين ، والمراد أنّ السّابق منهم قد اطلعه اللَّه تعالى على العلم بوجود اللاحق له بعده فبعضهم كالمقدّمة لتصديق البعض كعيسى عليه السّلام حيث قال : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُه ُ أَحْمَدُ [ سورة الصفّ : 6 ] . وبين لاحق سمّاه من قبله كمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، وعلى ذلك أي على هذه الوتيرة والأسلوب والنظام الإلهي ، مضت الأمم وسلفت الآباء وخلفتهم ( خلفت ) الأبناء . قوله : « إلى أن بعث اللَّه سبحانه محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم » إلى قوله : « من الجهالة » . واعلم أنّه عليه السّلام ساق هذه الخطبة من لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله كما هو الترتيب الطبيعي إذ هو الغاية من طينة النبوّة وخاتم النبيّين كما